عثمان بن جني ( ابن جني )
146
الخصائص
ومعنا ما يشهد لقوله هذا : شيء غير هذا ، غير أنه ليس ذلك غرضنا هنا ، إنما الغرض إعلامنا أن في البيت دلالة على صحّة مذهب أبي الحسن هذا . فهذا وجه صحيح يمكن أن يستنبط من بيت ضيغم الذي أنشدناه . وفيه دليل آخر على جواز خلوّ الجملة الجارية خبرا عن المبتدأ من ضمير يعود إليه منها ؛ ألا ترى أن قوله " لم يخفنى الرجل الظلوم " ليس فيه عائد على هو ، وكيف يكون الأمر إلا هكذا ؛ ألا تعلم أن هذا المضمر على شريطة التفسير لا يوصف ولا يؤكّد ولا يعطف عليه ولا يبدل منه ولا يعود عائد ذكر عليه ؛ وذلك لضعفه ؛ من حيث كان مفتقرا إلى تفسيره . وعلى هذا ونحوه عامّة ما يرد عليك من هذا الضرب ؛ ألا ترى أن قول اللّه عز وجل اللَّهُ أَحَدٌ لا ضمير فيه يعود على ( هو ) من قبله . واعلم أن اللفظ قد يرد شيء منه فيجوز جوازا صحيحا أن يستدلّ به على أمر ما ، وأن يستدلّ به على ضدّه البتّة . وذلك نحو سررت بزيد ، ورغبت في عمرو ، وعجبت من محمد ، وغير ذلك من الأفعال الواصلة بحروف الجرّ . فأحد ما يدلّ عليه هذا الضرب من القول أنّ الجارّ معتدّ من جملة الفعل الواصل به ؛ ألا ترى أن الباء في نحو مررت بزيد معاقبة لهمزة النقل في نحو أمررت زيدا ، وكذلك قولك أخرجته وخرجت به ، وأنزلته ونزلت به . فكما أن همزة أفعل مصوغة فيه ، كائنة من جملته ، فكذلك ما عاقبها من حروف الجرّ ينبغي أن يعتدّ أيضا من جملة الفعل ؛ لمعاقبته ما هو من جملته . فهذا وجه . والآخر أن يدلّ ذلك على أن حرف الجرّ جار مجرى بعض ما جرّه ؛ ألا ترى أنك تحكم لموضع الجارّ والمجرور بالنصب فيعطف عليه فينصب لذلك ، فتقول : مررت بزيد وعمرا ، وكذلك أيضا لا يفصل بين الجارّ والمجرور ؛ لكونهما في كثير من المواضع بمنزلة الجزء الواحد . أفلا تراك كيف تقدّر اللفظ الواحد تقديرين مختلفين ، وكل واحد منهما مقبول في القياس ، متلقى بالبشر والإيناس . ومن ذلك قول الآخر :